elwasem

الوسيم يحيكم فى منتدى ادبى - علمى - ثقافى - دينى - فمرحب بكم

 

                

          


    وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ

    شاطر
    avatar
    elwasem
    Admin

    عدد المساهمات : 796
    السٌّمعَة : 7
    تاريخ التسجيل : 06/12/2009

    وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ

    مُساهمة من طرف elwasem في الأربعاء ديسمبر 07, 2011 3:07 pm

    وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ

    هــذه الآية الكريمة جاءت في الربع الأول من سورة‏(‏ ق‏),‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(45)‏ بعد البسملة‏,‏ ويدور المحور الرئيسي لها حول قضيتي الوحي الخاتم‏,‏ والبعث القادم‏,‏ وإنكار كل من الكفار والمشركين لهما في زمن الوحي‏,‏ وإلي وقتنا الراهن‏,‏ وحتي قيام الساعة‏.‏ ولذلك تستهل السورة بقسم من الله‏(‏ تعالي‏)‏ بالقرآن المجيد ـ والله غني عن القسم لعباده ـ ثم بالعديد من الآيات الكونية الظاهرة والدالة علي طلاقة القدرة الالهية المبهرة في خلق الكون وجميع ما فيه ومن فيه‏,‏ والدالة كذلك علي أن الخالق المبدع قادر علي إفناء الخلق‏,‏ وعلي إعادة بعثة من جديد‏,‏ وكانت قضية البعث منذ الأزل هي حجة الكفار والمشركين والضالين المتشككين‏,‏ انطلاقا من فساد عقائدهم‏...!!‏ وتتحدث سورة ق بعد ذلك عن حركة الحياة والموت‏,‏ وتحلل الأجساد وبلاها‏,‏ ثم بعثها وحشرها وحسابها‏,‏ وجزائها كما تتحدث عن ارهاصات الساعة‏,‏ وعن رقابة الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي كل نفس‏,‏ وهي رقابة لاتغفل‏,‏ ولاتغيب أبدا‏...!!‏ وتتعرض هذه السورة المباركة أيضا لموقف من مواقف الكفار والمشركين والظلمة المتجبرين علي الخلق في يوم القيامة‏,‏ ومحاولاتهم التنصل من جرائمهم بإلقاء التبعة في ذلك علي قرنائهم من شياطين الانس والجن‏,‏ ورد قرنائهم علي ادعاءاتهم‏,‏ وبيان أن خاتمة هذا الجدل هي إلقاؤهم جميعا في نار جهنم‏,‏ في الوقت الذي يكرم الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ الصالحين من عباده بإدخالهم في جنات النعيم‏.‏ وتوصي سورة ق خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ومن تبعه من المؤمنين بالصبر علي أذي كل من الكفار والمشركين والضالين التائهين من أصحاب العقائد الفاسدة‏,‏ والديانات المحرفة‏,‏ الذين لم يعتبروا بمصائر المكذبين من الأمم السابقة عليهم‏,‏ وما أصاب تلك الأمم من دمار بسبب كفرهم بالله‏(‏ تعالي‏)‏ أو شركهم به‏(‏ سبحانه‏)‏ وتكذيبهم لأنبيائه ورسله‏.‏ وتوصي هذه السورة المباركة بالثبات علي عبادة الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ وحده‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه‏,‏ ولامنازع‏,‏ ولاصاحبة‏,‏ ولا ولد‏)‏ لأن ذلك كله من صفات المخلوقين‏,‏ والله منزه عن صفات خلقه‏.‏ وتؤكد سورة ق أن دور الرسول الخاتم‏(‏ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏)‏ هو التذكير بأوامر الله ونواهيه دون جبر‏,‏ أو إكراه‏,‏ أو تعنت‏,‏ لأن أصلا من أصول الاسلام العظيم أنه لا إكراه في الدين‏.‏ وتبدأ هذه السورة المباركة بحرف من الحروف الهجائية المقطعة وهو الحرف قاف‏(‏ ق‏),‏ وهي المرة الوحيدة التي استهلت فيها إحدي سور القرآن الكريم بهذا الحرف الذي أتبع بقسم بالقرآن المجيد أي الكريم علي الله‏(‏ تعالي‏),‏ تعظيما لشأنه‏,‏ وذلك لأن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ غني عن القسم لعباده‏,‏ وحذف جواب القسم الذي مضمونه‏:‏ أقسم بالقرآن المجيد الذي أنزلناه إليك يامحمد لتنذر به الناس كافة‏,‏ أنه الحق المطلق من الله الخالق‏,‏ ودلالة ذلك الآية التي جاءت بعد القسم‏:‏ (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) ‏(‏ ق‏:2,1).‏ والآية تشير إلي تعجب كفار قريش ومشركيهم من اختيار الله‏(‏ تعالي‏)‏ لخاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ من بينهم‏,‏ والآية التالية تذكر استبعادهم لعملية البعث بعد الموت وبعد أن تبلي الأجساد وتتحلل إلي التراب‏:‏ (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) ‏ (ق‏:3)‏ وترد الآية التالية بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (ق‏:4)‏ أي قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسادهم بعد الموت‏,‏ وعلمنا محيط بكل شيء‏,‏ وقد دونا ذلك في كتاب حفيظ‏,‏ وهو اللوح المحفوظ‏,‏ وهذا تأكيد لقول المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب‏(‏ صحيح مسلم‏)‏ وتؤكد الآية الخامسة من سورة‏(‏ ق‏)‏ أن تكذيب الكفار والمشركين لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ الثابتة بالعديد من المعجزات الظاهرة‏,‏ وفي مقدمتها القرآن الكريم‏,‏ يعتبر في ميزان الله أكبر جرما من تكذيبهم بالبعث‏,‏ فقد اختلطت أمورهم وأفكارهم‏,‏ وفسدت معتقداتهم‏,‏ وأصبحوا في حالة من القلق والاضطراب والضياع لاتمكنهم من حسن التفكير أو حسن النظر في الأمور بعين البصيرة‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) (ق‏:5)‏ ثم استعرضت الآيات عددا من الشواهد الكونية الدالة علي كمال القدرة الالهية المبدعة في الخلق‏,‏ وعلي إحاطة علم الله الخالق بكل صغيرة وكبيرة في الكون‏,‏ وعظيم حكمته الظاهرة في كل أمر من أمور المخلوقات فيه‏,‏ والاستدلال من ذلك كله بأن الذي أبدع هذا الكون علي غير مثال سابق‏,‏ قادر علي إفنائه وعلي إعادة خلقه من جديد مما يؤكد حتمية البعث وضرورته‏.‏ وعرضت الآيات من بعد ذلك إلي ذكر عدد من الأمم السابقة التي كفرت بربها‏,‏ أو أشركت به‏,‏ وعصت أوامره‏,‏ وكذبت أنبياءه ورسله‏,‏ فحق عليها عذاب الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وتحقق فيهم وعد الله ووعيده‏,‏ وكان في هذا العرض ما فيه من المواساة الالهية لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)(‏ وللمؤمنين به من بعده‏)‏ علي تكذيب الكفار والمشركين لبعثته الشريفة‏.‏ ويرد الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي منكري البعث مرة أخري بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏ (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) (ق‏:15).‏ ثم تستمر الآيات في تأكيد حقيقة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ خلق الإنسان‏,‏ ويعلم ما توسوس به نفسه‏,‏ لأنه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ـ بإحاطة علمه ودوام مراقبته ـ أقرب إلي كل عبد من عباده من أقرب شيء إليه وهو عرق الوريد بباطن عنقه‏,‏ وفوق ذلك فإن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أوكل كل فرد من عباده إلي ملكين‏:‏ أحدهما عن يمينه لكتابة الحسنات‏,‏ والآخر عن شماله لكتابة السيئات‏,‏ فما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد من قبل هذين الملكين المتلقيين عنه‏,‏ وكل منهما ملازمه‏,‏ لا يفارقه أبدا‏,‏ وكل منهما مهيأ لتلك المهمة ومعد إعدادا تاما لها‏.‏ وبعد التأكيد علي هذه الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الخلق‏,‏ تنبه الآيات الإنسان إلي حقيقة الموت‏,‏ وسكراته‏,‏ وشدائده‏,‏ وكربه‏,‏ ونزوله بالحق أي باليقين الذي كان يماري فيه كل كافر ومشرك ومتشكك‏,‏ أو بالحق حيث يري الميت وقت حشرجة الروح مكانه في الجنة أو مكانه في النار‏,‏ والرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ يقول‏:‏ الناس نيام ما عاشوا فإذا ما ماتوا انتبهوا‏.‏ والموت حق علي كل حي‏,‏ وإن كان في طبيعة الإنسان أن يستبعده عن نفسه وهو يراه واقعا علي غيره في كل يوم‏,‏ ويحاول الهروب منه‏,‏ والفرار من هجمته‏,‏ ولكن هيهات هيهات فلا ملجأ من الله إلا إليه‏...!!‏ ثم تنبه الآيات بعد ذلك إلي نفخة الصور بأمر الله‏(‏ تعالي‏)‏ فيبعث جميع من في القبور‏,‏ وهو اليوم الذي توعد الله‏(‏ تعالي‏)‏ به كل كافر‏,‏ ومشرك‏,‏ وظالم‏.‏ وتشير الآيات إلي مجيء كل نفس معها من يسوقها من الملائكة إلي أرض المحشر‏,‏ ومن يشهد عليها بعملها‏.‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)‏(‏ ق‏:16‏ ـ‏22).‏ أي‏:‏ فأزلنا عنك غفلتك‏,‏ وجلونا لك بصرك حتي تري به الحق الذي كنت تكذب به في الدنيا‏,‏ وقد كنت فيها كافرا‏,‏ أو مشركا‏,‏ أو متشككا‏,‏ أو ظالما جائرا لاتخشي حساب الله في الآخرة‏.‏ وفي التحذير من جريمة الشرك بالله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ تذكر الآيات أن شيطان كل من المشرك والكافر الذي أغواه وأضله‏,‏ أوالملك الموكل بكتابة سيئاته يقول عنه‏:‏ هذا ما لدي عتيد أي مهيأ لجزاء الله ومعد له‏,‏ فيقال للسائق والشهيد‏,‏ أو للملكين من خزنة النار‏:‏ (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) (ق‏:24‏ ـ‏26).‏ وحينئذ يبدأ كل كافر ومشرك وظالم في الاعتذار إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ بأن شيطانه قد أغواه وأطغاه‏,‏ فيقول شيطانه معتذرا أيضا إلي الله‏: (..رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (ق‏:27).‏ فيرد ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بقوله الحق‏:‏ ‏(... لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (ق‏:28‏ ـ‏35).‏ وبعد هذا الاستعراض القرآني المعجز لبعض حقائق الدنيا والآخرة ووضع الإنسان فيهما‏,‏ تعاود الآيات في ختام السورة بالإشارة إلي عقاب الله‏(‏ تعالي‏)‏ للعاصين من الأمم السابقة الذين أهلكهم الله‏(‏ تعالي‏)‏ بذنوبهم وقد كانوا أشد بطشا من كفار قريش ـ والعذاب ينزل بهم‏,‏ وهم في حالة من الهلع والفزع‏,‏ يركضون في جنبات الأرض ونقوبها في محاولة يائسة للهروب من عذاب الله‏,‏ وهو واقع بهم لا محالة حتي أبادهم عن بكرة أبيهم‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق‏:37).‏ وترجع الآيات مرة أخري بالإشارة إلي خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏,‏ وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب‏S.(‏ ق‏:38).‏ ثم يوجه الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ الذي كان يؤلمه ما يتطاول به الكفار والمشركون علي الذات الإلهية‏,‏ وذلك بقول الحق‏(‏ سبحانه وتعالي‏):‏ (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) (ق‏:40,39).‏ أي‏:‏ اصبر يا محمد علي تطاول الكفار والمشركين علي الذات الإلهية‏,‏ وهو مما يؤلمك‏,‏ واصبر علي تكذيبهم لبعثتك الشريفة‏,‏ وهو مما يحزنك‏,...‏ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون‏ (‏ (الأنعام‏:33)‏ وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أن ينزه ربه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وأن يحمده حمدا يليق بجلاله‏,‏ خاصة في وقتي الفجر والعصر‏,‏ وعقب كل صلاة مفروضة‏,‏ وذلك بالتسبيح‏,‏ والتحميد‏,‏ والتكبير‏,‏ والتهليل وبالإكثار من النوافل‏.‏ وتختتم هذه السورة المباركة بالإشارة مرة أخري إلي يوم البعث والحشر‏,‏ مؤكدة يسر ذلك علي الله‏,‏ موجهة الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ جازمة بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن مصير الخلائق كلها إليه‏(‏ سبحانه‏),‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ يعلم السر والنجوي وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (ق‏:41‏ ـ‏45).‏ ومن روعة بيان هذه السورة‏,‏ وشدة وقعها علي السمع‏,‏ والعقل‏,‏ والقلب‏,‏ واحتفالها بعدد هائل من حقائق الوجود‏,‏ كان خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كثيرا ما يخطب بها في صلاة العيدين والجمعة‏,‏ وكان يجعل منها موضوع خطبته في اجتماعاته الحافلة بالناس‏,‏ يحرك بمعانيها الرائعة‏,‏ وجرسها الفريد كثيرا من القلوب الغافلة‏,‏ ويسمع بها كثيرا من الآذان الصم‏,‏ وينير بها كثيرا من العقول المعتمة‏,‏ وذلك لأن الإنسان مهما أوتي من أسباب الفصاحة‏,‏ والبلاغة‏,‏ وروعة البيان لا يمكن له أن ينقل ما جاء بسورة ق من معان بأسلوب يقترب في شيء من روعة ما جاء فيها من بيان الله الذي لايمكن لبيان البشر أن يدانيه من قريب أو من بعيد‏.‏ من الإشارات الكونية في سورة ق ‏(1)‏ أن تحلل الجسد الميت ينتهي إلي تراب الأرض فيما عدا عجب الذنب الذي منه خلق‏,‏ وفيه يعاد تركيبه كما أخبر بذلك المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ودلت عليه الآية الرابعة من سورة ق‏,‏ وأكدته البحوث العلمية‏.‏ ‏(2)‏ أن السماء بناء محكم‏,‏ مزدان بالنجوم‏.‏ ولا وجود للفراغ الخالي من صور المادة والطاقة فيها ومالها من فروج‏.‏ ‏(3)‏ ان الأرض كروية الشكل لانها ممدودة بلا نهاية‏,‏ والمد بلا نهاية هو قمة التكور‏.‏ ‏(4)‏ ان تكون الجبال عملية لاحقة لخلق الأرض‏,‏ وهي رواسي مثبتة لها في دورانها وجريها‏,‏ كما أنها مثبتة لاغلفتها الصخرية حتي لا تميد ولاتضطرب‏.‏ ‏(5)‏ أن كل شئ في الوجود قد خلقه الله‏(‏ تعالي‏)‏ في زوجية واضحة حتي يبقي ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ والدراسات العلمية تؤكد الزوجية في جميع المخلوقات‏.‏ ‏(6)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يحكم دورة الماء حول الأرض بعلمه وقدرته وحكمته‏,‏ وينزله من السماء ماء مباركا لشدة طهارته‏,‏ وبنزوله علي الأرض فإن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يحيي به مواتها وينبت فيها جنات وحب الحصيد‏,‏ ويشبه الله تعالي إخراج الأموات من قبورهم في يوم البعث بإخراج النبات من الأرض بعد إنزال ماء المطر عليها‏,‏ مما يؤكد حتمية البعث وضرورته‏.‏ ‏(7)‏ وصف النخل بأنها باسقات وأن طلعها نضيد‏.‏ ‏(Cool‏ إقرار حقيقة أن الإنسان مخلوق خلقه الله‏(‏ تعالي‏)‏ ـ وهو‏(‏ سبحانه‏)‏ خالق كل شئ‏,‏ وأن الموت حق علي جميع المخلوقين‏,‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن الخلق الأول يشهد لله الخالق بالقدرة علي البعث‏.‏ ‏(9)‏ إقرار حقيقة أن خلق السماوات والأرض قد تم عبر ست مراحل متتالية يحاول العلم الكسبي استقراءها اليوم‏.‏ ‏(10)‏ وصف انفتاح الأرض لإخراج المدفون فيها من أجداث يوم البعث بالتشقق‏,‏ وهي عملية مختلفة‏,‏ تماما عن عملية التصدع‏,‏ التي أشار إليها القرآن الكريم في مقام آخر‏,‏ وفي ذلك من الدقة العلمية ما فيه‏.‏ وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معاملة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا علي النقطة السابعة في القائمة السابقة والتي تتحدث عن النخل الباسقات وعن طلعها النضيد‏,‏ وقبل الولوج في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏.‏ من أقوال المفسرين في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏ (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) (‏ ق‏:10).‏ ‏*‏ ذكر الطبري‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏Sad‏ والنخل باسقات‏):‏ طوالا‏,‏ والباسق هو الطويل‏,(‏ لها طلع نضيد‏):‏ متراكب بعضه علي بعض‏.‏ وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة إلي تكراره هنا‏.‏ من الدلالات العلمية للآية الكريمة أشارت هذه الاية الكريمة إلي النخل الباسقات‏,‏ وهو نوع خاص من النخل يتميز بطول ساقه‏(‏ جذعه‏)‏ حتي ليتجاوز الثلاثين مترا في الارتفاع‏,‏ علما بأن هناك من أنواع النخل القصير ما لا يتجاوز ارتفاع جذعه المترين‏,‏ وبذلك تتضح الحكمة من الإشارة إلي النخل الطوال في هذه الآية الكريمة‏,‏ ومن إتباع الوصف باسقات بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ لها طلع نضيد‏.‏ وفي ذلك إشارة إلي القدرة الإلهية المبدعة التي تتجلي في خلق النخلة الباسقة‏,‏ بهذا الطول الفاره‏,‏ وإعطائها من القدرات البينة الظاهرة‏,‏ والخفية المستترة‏,‏ ما جعل من النخل مضرب المثل في القرآن الكريم .

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 4:36 pm